اسماعيل بن محمد القونوي

156

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

زمرة المأمورين بالإسراء والمفهوم من تخلف أحد سوى امرأته فحينئذ تتحد القراءتان في إفادة أن امرأته لم تسر وتخلفت فعلم أن هذا إنما يصح على تأويل وفي قوله على تأويل الالتفات بالتخلف إشارة إلى ما ذكرنا من أن معنى التخلف للالتفات مجازي لا حقيقي . قوله : ( فإنه إن فسر بالنظر إلى الوراء في الذهاب ناقض ذلك قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالرفع على البدل من أحد ) وهكذا في بعض النسخ وهو الصواب وفي بعضها قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو قيل وفيه سهو فإن نافعا لم يقرأ إلا بالنصب ثم وجه المناقضة أن قراءة الرفع يقتضي أن يكون امرأتك مستثناة من أحد فحينئذ تكون المرأة مأمورة بالإسراء وتكون ناظرة إلى وراءها مخالفة لغيرها من الأهل وقراءة النصب تقتضي كونها مستثناة من أهلك وإلا لزم أن تكون قراءة أكثر القراء على خلاف الأفصح الذي هو البدلية في مثله فلا تكون مأمورة بالإسراء وكونها مأمورة بالإسراء وعدمه مما يتناقضان وأما إذا أول الالتفات بالتخلف فلا تناقض حينئذ كما أوضحناه آنفا ويندفع به ما قيل في الجواب عن تلك المناقضة بأنها يجوز أن يسري بها فليس معنى الاستثناء إلا أنه ليس مأمورا بالإسراء بها وذلك لا ينافي الإسراء بها انتهى وجه الاندفاع أن التناقض بين كونها مأمورة بالإسراء وعدم كونها مأمورة به ولا شك أن الجواز المذكور لا يرفع هذا التناقض . قوله : ( ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين ) رد على الزمخشري حيث قال واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين . قوله : ( في أنه خلفها مع قومها أو أخرجها ) فإن هواها إليهم فلم يسر بها هذا إحدى الروايتين فقراءة النصب في امرأتك المستدعية لعدم الأمر بالإسراء بها بناء على أنها مستثناة من أهلك لأجل هذه الرواية ومراد الزمخشري بهذا التوفيق بين القراءتين لتناقض مؤديهما ورده الشيخ ابن الحاجب بأنه باطل لأن القراءتين ثابتتان قطعا فيمتنع حملها على الوجهين قوله : فإن فسر إلى آخره تعليل لقوله وهذا إنما يصح وجه كونه مناقضا على هذا التقدير القراءة بالرفع لأن القراءة بالنصب على الاستثناء من أهلك يقتضي أن لا يسوى بها والقراءة بالرفع على الاستثناء من أحد يقتضي أن يسري بها لكن لا تنهى أن تنظر إلى ما وراءها فيلزم عدم خروجها معه على القراءة بالنصب وخروجها معه على القراءة بالرفع والقصة واحدة قطعية الثبوت فلا يجوز حمل القراءتين على الروايتين لأن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتباينة فإن القراءتين ثابتتان كلاهما غير منسوختين فيمتنع حلها على وجهين أحدهما باطل قطعا فإن لوطا عليه السّلام إما أن يكون أسري بها أو ما أسري بها فإن كان قد أسري بها فليس مستثنى إلا من قوله ولا يلتفت منكم أحد وإن كان ما أسري بها فهو مستثنى من قوله فأسر بأهلك فقد ثبت أن أحد التأويلين باطل قطعا فلا يصار إلى التأويل في إحدى القراءتين الثابتتين قطعا والأولى من هذا أن يكون إلا امرأتك في الرفع والنصب مثل قوله عز وجل ما فعلوه إلا قليل منهم ولا بعد في أن يكون أقل القراءة على الوجه الأقوى الأفصح وهو الرفع وأكثر القراءة التي هي القراءة بالنصب على الوجه الذي دونه في القوة والفصاحة .